الشيخ عبد الغني النابلسي
174
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان إذ قالت : مَعَ سُلَيْمانَ فتبعته . فما يمرّ بشيء من العقائد إلّا مرّت به معتقدة ذلك . كما نحن على الصّراط المستقيم الّذي الرّبّ تعالى عليه لكون نواصينا في يده . ويستحيل مفارقتنا إيّاه . فنحن معه بالتضمين وهو معنا بالتّصريح ، فإنّه قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ونحن معه بكونه آخذا بنواصينا . فهو اللّه تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه ، فما أحد من العالم إلّا على صراط مستقيم وهو صراط الرّبّ تعالى . وكذلك علمت بلقيس من سليمان فقالت : لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] وما خصّصت عالما من عالم . فكان إسلام بلقيس هو إسلام سليمان عليه السلام إذ ، أي لأنها قالت ، أي بلقيس مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فتبعته ، أي بلقيس تبعت سليمان عليه السلام فما يمر بشيء من العقائد الإيمانية إلا مرت ، أي بلقيس به ، أي بذلك الشيء معتقدة ذلك بقلبها وهذا معنى معيتها في الإسلام لسليمان عليه السلام كما نحن معشر المخلوقات كلها إن علمت وإن جهلت فإن علمت انتفعت بعلمها وكانت على بصيرة من أمرها وعلى هدى من اللّه تعالى ، وإن جهلت تضررت بجهلها وكانت على عمى وضلالة . قال تعالى : فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [ يونس : 108 ] على الصراط ، أي الطريق المستقيم من غير اعوجاج ولا ميل عن الحق أصلا أي الرب سبحانه عليه لكون نواصينا ، أي رؤوسنا موضع العقل والتدبير والإرادة والقصد للأمور كلها في يده تعالى يتصرف فينا كيف يشاء كما قال سبحانه : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] ، والدابة كل ما دب من العدم إلى الوجود كما مر في فص هود عليه السلام ويستحيل عقلا وشرعا مفارقتنا معشر المخلوقات إياه تعالى ، أي انفصالنا عنه كما يستحيل اتصالنا به . فنحن كلنا معه ، أي مع الحق تعالى أينما كان ، أي في أي حضرة من حضرات أسمائه سبحانه نزل فيها وتجلى بها ولكن بالتضمين ، أي من حيث اقتضاء الآية المذكورة لذلك وهو بطريق التبعية لأنا آثار أسمائه فمعيتنا له أثرية لا مؤثرية كمعيته تعالى لنا فنحن به معه لا بنا معه وهو به معنا لا بنا معنا ، لأنه الغني عنا ونحن المفتقرون إليه تعالى ، فلولاه لما كنا معه وهو سبحانه معنا بالتصريح ، إذ لو لم يكن معنا لما كنا ، فكونه معنا عين وجودنا به ، وكوننا معه عين ظهوره بنا